نصر حامد أبو زيد

49

الاتجاه العقلي في التفسير

ذهب إلى توحيد الفعل الإلهي الذي لا يمكن إلّا أن يتصف بصفة الخيرية المطلقة ، فقد كان من الطبيعي أن يوحّد الفعل الحيواني ، فذهب إلى أن « أفعال الحيوان كلها من جنس واحد وهي كلها حركة وسكون ، والسكون عنده حركة اعتماد ، والعلوم والإرادات عنده من جملة الحركات ، وهي الأعراض ، والأعراض كلها عنده جنس واحد ، وهي كلها حركات » 12 . فالفعل الانساني - متضمنا العلوم والإرادات - جنس واحد يرجع كله إلى الحركة والسكون . والسكون عند النظّام هو حركة الاعتماد ، فهو نوع من الحركة أيضا . وإذا كانت الأعراض عند النظّام كلها حركات ، فإن الانسان لا يقدر بذلك إلّا على الأعراض ، وذلك على عكس اللّه الذي يقدر على الأعراض والجواهر معا ، وبذلك تتميز قدرة اللّه على قدرة الانسان وتعلو عليها . غير أن الفعل الانساني - الحركة - ينقسم إلى فعل مباشر ، وهو ما يفعله الانسان في نفسه ، وفعل متولّد ، وهو ما يتجاوز نطاق ذاته وذلك كأن يلقي الانسان بحجر في ماء راكد ، فيتحرك الماء بحركة الحجر . فحركة الحجر تعدّ فعلا مباشرا للانسان ، أمّا حركة الماء فهي فعل متولد عن حركة الحجر . ولقد كان النقاش حول الفعل المتولّد ومدى مسؤولية الانسان عنه امتدادا للبحث في مسؤولية الانسان عن فعله نتيجة لتأكيد المعتزلة على قدرة الانسان على الفعل . ولقد كان رأي أبو الهذيل العلاف - كما أشرنا - أن ما يعرف الانسان كيفيته من الأفعال هو ما يقدر عليه ، ويعدّ - بالتالي - مسؤولا عنه . سواء كان فعلا مباشرا أو متولّدا . أمّا النظّام فقد ذهب إلى أن الفعل المتولّد ليس فعلا للانسان على الحقيقة ، وإنما هو « فعل اللّه جل وعز بايجاب الخلقة ، بمعنى أنه تعالى طبع الحجر طبعا وخلقه خلقا إذا دفعته ذهب » 13 وليست فكرة الطبع هذه عند النظّام إلّا محاولة لتأكيد القدرة الإلهية الشاملة التي قد يقلل منها اخضاع الفعل الإلهي للقانون الأخلاقي . ولكن القدرة الإلهية هنا تعبّر عن نفسها من خلال قوانين طبيعية من صنعها وغير مفروضة عليها من الخارج . ويصبح الانسان نفسه - بكل قدرته على الفعل - جزءا من هذا القانون ، وبذلك ينتفي التعارض ويزول اعتراض المعترضين . والإدراك - أول مراتب المعرفة - يتولّد عن حركة الحواس ، فإدراك المرئيات يتولّد عن فتح العين وتوجهها تجاه المرئي . وهو بهذا الفهم يعدّ جزءا من الأفعال المتولّدة التي تقع عن الطبع الذي خلقه اللّه « وكان أبو إسحاق النظّام يقول في الإدراك خاصة أن اللّه سبحانه يفعله بايجاب خلقه وبحواس » 14 وعلى ذلك